بقلم : مدير التحرير

عبد الأمير حسن كشكول

 

في السابع عشر من ربيع الأول تلتقي ذكرى ميلاد مفكر الحياة ومحرر الإنسان النبي الأكرم محمد (ص) وذكرى ميلاد حفيده الإمام الصادق (ع) وناشر فكرته ومفكر مدرسته .

هذا الإنسان الفذ الذي تجمعت في قلبه ثقافة التاريخ ، فترفع عن الحياة وعاش الفكر أكثر مما عاش لنفسه .

ذلك الإمام العظيم الذي وقف ليفتح باب التاريخ أمام الأجيال .. ففتح للإسلام أوسع طريق ليدخل المسلمون من أوسع باب .. وتفوّق في كل مزايدة فكرية حتى إن حدود حديثة الآفاق .. لان حدود قلبه الكون .

ذلك المفكر الخالد الذي اعتزل سياسة السيف ليبني سياسة الفكر فعكف على دراسة الإسلام ، وتوسيع مصادره وأبعاده .. فكانت مدرسته المدرسة الوحيدة في الإسلام التي ترعرعت فيها الأفكار الإسلامية كافة ، وتخرج منها جميع مفكري الإسلام , فأن رؤساء المذاهب الإسلامية كانوا تلاميذه او تلاميذ تلاميذه .

والإمام الصادق هو الرجل الذي بقي على مر العصور من ألمع معلمي البشرية وآباء الأجيال وبقيت آراؤه حية تناطح الآراء , وأفكاره تابعنه تلاقح الأفكار ومدرسته تمنح وتفيض , ويركع أمامها الفلاسفة والمفكرون تقديساً وإكباراً .. تلك المدرسة التي أنجبت أربعة آلاف تلميذ منهم (أبو حنيفة – النعمان بن ثابت – الذي قال قولته المشهورة – لولا السنتان لهلك النعمان – ومالك بن انس , وسفيان الثوري , وهشام بن الحكم , والسيد الحميري ، واشبع السلم والكميت , وزرارة , وأبو بصير , ومؤمن الطاق ويحيى بن سعيد الأنصاري) .

وقد روى أبان بن تغلب ثلاثين ألف حديث. وقال الحسن بن علي الوشا:   أدركت في هذا المسجد – يريد مسجد الكوفة – تسعمائة شيخ كل يقول حدثني جعفر بن محمد .

إن هذه العظمة العلمية في شخصية الإمام (ع) لم تكن إلا سرا من أسرار الكتاب الحكيم , ونورا من أنوار النبوة , وفيضا من فيوضات الإمامة . ويكفيه عظمة تواتر الاتفاق عل تفوقه البارع , فقد قال مالك بن انس : جعفر بن محمد اختلفت إليه زمانًا فما كنت أراه إلا على إحدى ثلاث خصال إما مصل وإما صائم وإما يقرأ القران , وما رأت عيني وما سمعت أذني ولا خطر على قلب بشر أفضل من جعفر بن محمد الصادق فضلاً وعلماً وعبادة وورعاً .

وقال أبو حنيفة : ما رأيت افقه من جعفر بن محمد .

وقال الجاحظ : جعفر بن محمد ملا الدنيا علمه وفقهه .

وقال ابن حجر الهيثمي : جعفر الصادق نقل الناس عنه من العلوم ما سارت به الركبان , وانتشر صيته في جميع البلدان , وروى عنه الأئمة الأكابر واليه ينتسب المذهب الجعفري حيث أخذت عنه عليه السلام أصول المذهب وقواعده وأحكامه الفقهية فسار على طريق أصولي اجتهادي حتى جمعت أصوله في كتب ومصنفات كثيرة سمي المشهور منها بالاصول الاربعمائة وهي مجموعة من كتب أربعة : الكافي للكليني , ومن لا يحضره الفقيه للشيخ الصدوق , والتهذيب والاستيصار لشيخ الطائفة الطوسي . ومن هنا يتضح أن شخصية الإمام (ع) برزت بشكل جلي في مجالين :

1- القيادة الفكرية العليا التي نصبته علما للفكر والعلم والأحكام فباشرها عليه السلام على نطاق واسع مكشوف مبينا الحقائق العلمية الإسلامية والإصلاحات الشرعية , والمفاهيم والأحكام الدينية .

وهو بهذا يجدد ويبعث الشريعة بعد فترة من الركود الفكري . وقد خرج الامام من معركة الاصطلاحات والمفاهيم بنصر وظفر حيث هيأ للمسلمين الاطلاع على الحقائق التشريعية .

2- اعتزاله النشاط السياسي العلني للمستلزمات الظرفية التي عاصرت عهد الإمام في الوقت الذي لم ينفك فيه عن اسناد الحركات السياسية التي قادها الثوار العلويون محاولة منه لإسماع الأمة صوته واظهار سخطه على الحكام : ثم كشف حقيقتهم وانحرافهم عن سلوك كثير من القواعد الإسلامية في الحكم والسياسة والتشريع .

ونعود لنرتشف من نفحات الذكرى وعبقها , فليس صدفة عابرة أن يتفق مولد الإمام الصادق (ع) في يوم مولد جده الرسول (ص) وإنما هو دلالة على مدى الارتباط الوثيق بين مؤسس الإسلام ومجدده , وبرهان على مشاركتهما معا في تحقيق الإسلام فلئن نهض الرسول (ص) بتحقيق الإسلام في ظاهرة الحياة , فان الإمام الصادق (ع) قام بتحقيق الإسلام في مجال الفكر .

ويكفي دلالة على اثر الإمام الصادق (ع) في الحياة الإسلامية إننا لو أغفلنا تراثه وتلاميذه لم يبق في الإسلام فقه ولا فقيه , ولفقدت المكتبة الإسلامية أهم عناصرها وصلتها الأبوية بالحضارة والثقافة الحديثتين.

إن الذكرى تمر وهي عزيرة , وان الذكرى تمر وهي تنظر إلى واقعنا السيئ , وان الذكرى تمر وهي تنقل من أحداثنا صورا , وهي إذ تمر تمر معها اشفاقة ربانية على وطننا وشرعنا وخط سيرنا الشائك الطويل.

فحري بنا أن نعود لنحمي سيرة الرسول الكريم (ص) والأئمة الطاهرين عليهم السلام ونستنّ بسنتهم فانه لا يصلح هذا الأمر إلا بما صلح به أوله .

حري بنا أن نشيع في أوساطنا الأجواء الإسلامية والمعاني الروحية حتى نهيئ القاعدة الأساسية لمجتمعنا الإسلامي الامثل .

فمن حياة افضل ولاجل إعداد السعادة لأجيالنا التالية ثم في سبيل إيجاد عالم إنساني رغيد أن نتمسك بالإسلام عقيدة وفكرا ونظاماً وقواعد للسلوك , ونحمل رسالة النهضة الإسلامية بروح تغمره أشعة القران , وتغمره روح الرسالة , ويظلله وضح الإمامة , ونور الحق .. لعلنا نفيد عنه ولو قبسة من إيمان وومضة من هداية .. عبرة لنا في هذه الحياة , وتقدمه في الحياة الآخرة , فنعمق من إيماننا بمدأ الإمام الصادق (ع) ونؤكد من ولائنا له ولآله الأطهار عليهم السلام .

وهل هناك أهدى إلى الإسلام من سلالة النبوة ؟

أو أدل على الهدى المستقيم من أئمة أهل البيت (ع) ؟

وما أزرى بنا أن نستورد الشر ونحن نملك الخير , وان نستجدي الذلة ونحن نتوفرعلى العزة .

فما أجدر الإنسان أن يقف لحظات خاشعاً أمام هذا الإنسان ويقتبس من وعيه قبساً .

عبدد الأمير كشكول